الشوكاني
247
فتح القدير
منه على حذف مضاف من الأول تقديره : أنزل ذا ذكر رسولا ، أو صاحب ذكر رسولا . وقيل إن رسولا نعت على حذف مضاف : أي ذكرا ذا رسول ، فذا رسول نعت للذكر . وقيل إن رسولا بمعنى رسالة ، فيكون رسولا بدلا صريحا من غير تأويل ، أو بيانا . وقيل إن رسولا منتصب على الإغراء ، كأنه قال : ألزموا رسولا . وقيل إن الذكر هاهنا بمعنى الشرف كقوله - لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم - وقوله - وإنه لذكر لك ولقومك - . ثم بين هذا الشرف فقال ( رسولا ) وقد ذهب الأكثر إلى أن المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال الكلبي : هو جبريل ، والمراد بالذكر القرآن ، ويختلف المعنى باختلاف وجوه الإعراب السابقة كما لا يخفى . ثم نعت سبحانه الرسول المذكور بقوله ( يتلوا عليكم آيات الله مبينات ) أي حال كونها مبينات ، قرأ الجمهور " مبينات " على صيغة اسم المفعول : أي بينها الله وأوضحها ، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي على صيغة اسم الفاعل : أي الآيات تبين للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام . ورجح القراءة الأولى أبو حاتم وأبو عبيد لقوله " قد بينا لكم الآيات " ( ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ) اللام متعلقة بيتلو : أي ليخرج الرسول الذي يتلو الآيات الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية ، ويجوز أن تتعلق اللام بأنزل ، فيكون المخرج هو الله سبحانه ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ) أي يجمع بين التصديق ، والعمل بما فرضه الله عليه مع اجتناب ما نهاه عنه ( ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار ) قرأ الجمهور " يدخله " بالتحتية ، وقرأ نافع وابن عامر بالنون : وجمع الضمير في ( خالدين فيها أبدا ) باعتبار معنى من ، ووحده في يدخله باعتبار لفظها ، وجملة ( قد أحسن الله له رزقا ) في محل نصب على الحال من الضمير في خالدين على التداخل ، أو من مفعول يدخله على الترادف ، ومعنى ( قد أحسن الله له رزقا ) أي وسع له رزقه في الجنة ( الله الذي خلق سبع سماوات ) الاسم الشريف مبتدأ وخبره الموصول مع صلته ( ومن الأرض مثلهن ) أي وخلق من الأرض مثلهن يعنى سبعا . واختلف في كيفية طبقات الأرض . قال القرطبي في تفسيره : واختلف فيهن على قولين : أحدهما وهو قول الجمهور أنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض ، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض ، وفي كل أرض سكان من خلق الله . وقال الضحاك : إنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السماوات . والأول أصح ، لأن الأخبار دالة عليه في الترمذي والنسائي وغيرهما . وقد مضى ذلك مبينا في البقرة قال : وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين " إلى آخر كلامه ، وسيأتي في آخر البحث ما يقوى قول الجمهور . قرأ الجمهور " مثلهن " بالنصب عطفا على " سبع سماوات " أو على تقدير فعل : أي وخلق من الأرض مثلهن . وقرأ عاصم في رواية عنه بالرفع على الابتداء ، والجار والمجرور قبله خبره ( يتنزل الأمر بينهن ) الجملة مستأنفة ، ويجوز أن تكون صفة لما قبلها ، والأمر الوحي . قال مجاهد : يتنزل الأمر من السماوات السبع إلى السبع الأرضين . وقال الحسن : بين كل سماء وبين الأرض . وقال قتادة : في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه ، وقيل بينهن إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أدناها ، وبين السماء السابعة التي هي أعلاها ، وقيل هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره ، فينزل المطر ويخرج النبات ، ويأتي بالليل والنهار ، والصيف والشتاء ، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها فينقلهم من حال إلى حال . قال ابن كيسان : وهذا هو مجال اللغة واتساعها كما يقال للموت : أمر الله وللريح والسحاب ونحوها . قرأ الجمهور